ابن الأثير
524
الكامل في التاريخ
وبرقة وغيرها ، وقد كتب إليه يرغبه في تلك [ البلاد ] ، فتجهّز للمسير إليه ، واستصحب معه أنجاد العسكر وأكثر منهم . فلمّا سمع ذلك صلاح الدين ساءه ، وعلم أنّه إن أرسل إليه يمنعه لم يجبه ، فأرسل إليه يقول له : أريد أن تحضر عندي لأودّعك ، وأوصيك بما تفعله ، فلمّا حضر عنده منعه ، وزاد في إقطاعه ، فصار إقطاعه حماة ، ومنبج ، والمعرّة ، وكفر طاب ، وميّافارقين ، وجبل جور ، بجميع أعمالها ، وكان تقي الدين قد سيّر في مقدّمته مملوكه بوزابة ، فاتّصل بقراقوش ، وكان منهم ما ذكرناه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . وقد بلغني من خبير بأحوال صلاح الدين أنّه إنّما حمله على أخذ حلب من العادل وإعادة تقي الدين إلى الشام ، أنّ صلاح الدين لمّا مرض بحرّان ، على ما ذكرناه ، أرجف بمصر أنّه قد مات ، فجرى من تقي الدين حركات من يريد [ أن ] يستبدّ بالملك ، فلمّا عوفي صلاح الدين بلغه ذلك ، فأرسل الفقيه عيسى الهكّاريّ ، وكان كبير القدر عنده ، مطاعا في الجند ، إلى مصر ، وأمره بإخراج تقي الدين والمقام بمصر ، فسار مجدّا ، فلم يشعر تقي الدين إلّا وقد دخل الفقيه عيسى إلى داره بالقاهرة ، وأرسل إليه يأمره بالخروج منها ، فطلب أن يمهل إلى أن يتجهز ، فلم يفعل ، وقال : تقيم خارج [ المدينة ] وتتجهزّ . فخرج وأظهر أنّه يريد الدخول إلى الغرب ، فقال له : اذهب حيث شئت ، فلمّا سمع صلاح الدين الخبر أرسل إليه يطلبه ، فسار إلى الشام ، فأحسن إليه ، ولم يظهر له شيئا ممّا كان لأنّه كان حليما ، كريما ، صبورا ، رحمه اللَّه . وأمّا أخذ حلب من العادل ، فإنّ السبب فيه أنّه كان من جملة جندها أمير كبير اسمه سليمان بن جندر ، بينه وبين صلاح الدين صحبة قديمة ، قبل الملك ، وكان صلاح الدين يعتمد عليه ، وكان عاقلا ذا مكر ودهاء ، فاتّفق أنّ الملك العادل لمّا كان بحلب لم يفعل معه ما كان يظنّه ، وقدّم غيره عليه ،